Skip to content
البالغون

الذكاء العاطفي: المهارة التي تغير كل شيء

د. هالة علي
2025-06-07
7 دقيقة قراءة

عَلى مَدارِ سَنَواتِ عَمَلي كَمُستَشارَةٍ أُسَرِيَّةٍ، شاهَدتُ الذَّكاءَ العاطِفِيَّ يُغَيِّرُ حَياةَ النّاسِ بِعُمقٍ يَفوقُ أَيَّ مَهارَةٍ أُخرى تَقريبًا. تُظهِرُ الأَبحاثُ باستِمرارٍ أَنَّ الذَّكاءَ العاطِفِيَّ — أَو ما يُعرَفُ بِـ EQ — هُوَ مُؤَشِّرٌ أَقوى لِلنَّجاحِ في العَلاقاتِ وَالتَّربِيَةِ وَالمَسيرَةِ المِهَنِيَّةِ مِن مُعامِلِ الذَّكاءِ وَحدَهُ. إِنَّهُ يُشَكِّلُ كُلَّ حِوارٍ تَخوضُهُ وَكُلَّ قَرارٍ تَتَّخِذُهُ وَإِحساسَكَ العامَّ بِالرِّضا. وَمَعَ ذلِكَ لَم يَتَعَلَّمْ مُعظَمُنا كَيفَ نُطَوِّرُهُ.

ماذا يَعني الذَّكاءُ العاطِفِيُّ حَقًّا

الذَّكاءُ العاطِفِيُّ لا يَعني أَن تَكونَ مُفرِطَ العاطِفَةِ أَو أَن تَكبِتَ ما تَشعُرُ بِهِ. بَل يَعني تَطويرَ عَلاقَةٍ واعِيَةٍ وَماهِرَةٍ مَعَ عالَمِكَ الدّاخِلِيِّ بِحَيثُ تَخدُمُكَ مَشاعِرُكَ بَدَلًا مِن أَن تَتَحَكَّمَ فيكَ. فَكِّرْ فيهِ كَالفَرقِ بَينَ رَدِّ الفِعلِ وَالاستِجابَةِ. رَدُّ الفِعلِ تِلقائِيٌّ. أَمّا الاستِجابَةُ فَمَقصودَةٌ.

في العائِلاتِ العَرَبِيَّةِ وَالشَّرقِ أَوسَطِيَّةِ، كَثيرًا ما تُعاشُ المَشاعِرُ بِعُمقٍ لكِنَّها نادِرًا ما تُناقَشُ. قَد نُعَبِّرُ عَنِ الحُبِّ بِطَبخِ وَجبَةٍ أَو بِالسَّهَرِ لِمُساعَدَةِ طِفلٍ في دِراسَتِهِ، لكِنَّ الجُلوسَ لِتَسمِيَةِ ما نَشعُرُ بِهِ قَد يَبدو غَريبًا أَو حَتّى مُزعِجًا. الذَّكاءُ العاطِفِيُّ يَسُدُّ هذِهِ الفَجوَةَ — فَهُوَ يُكَرِّمُ عُمقَ المَشاعِرِ الَّتي تَحمِلُها ثَقافَتُنا مَعَ مَنحِنا لُغَةً وَأَدَواتٍ لِلتَّعامُلِ مَعَها.

الرَّكائِزُ الخَمسُ لِلذَّكاءِ العاطِفِيّ

1. الوَعيُ الذّاتِيّ

الوَعيُ الذّاتِيُّ هُوَ القُدرَةُ عَلى التَّعَرُّفِ عَلى مَشاعِرِكَ فَورَ حُدوثِها وَفَهمِ لِماذا تَنشَأُ وَمُلاحَظَةِ كَيفَ تُشَكِّلُ سُلوكَكَ. إِنَّهُ الأَساسُ الَّذي يُبنى عَلَيهِ كُلُّ شَيءٍ آخَرَ. بِدونِ الوَعيِ الذّاتِيِّ نَعمَلُ عَلى الطَّيّارِ الآلِيِّ مُكَرِّرينَ أَنماطًا وَرِثناها مِن عائِلاتِنا دونَ أَن نَتَساءَلَ عَنها.

نُقطَةُ بِدايَةٍ عَمَلِيَّةٌ هِيَ المُراجَعَةُ العاطِفِيَّةُ اليَومِيَّةُ. ثَلاثَ مَرّاتٍ في اليَومِ تَوَقَّفْ وَاسأَلْ نَفسَكَ: ماذا أَشعُرُ الآنَ؟ ما الَّذي أَثارَ هذا؟ كَيفَ يُؤَثِّرُ عَلى تَصَرُّفاتي؟ مَعَ الوَقتِ تُعيدُ هذِهِ المُمارَسَةُ البَسيطَةُ صِياغَةَ عَلاقَتِكَ بِتَجرِبَتِكَ الدّاخِلِيَّةِ.

2. التَّنظيمُ الذّاتِيّ

التَّنظيمُ الذّاتِيُّ هُوَ إِدارَةُ استِجاباتِكَ العاطِفِيَّةِ بَدَلًا مِن أَن تَتَحَكَّمَ فيكَ. هذا لا يَعني كَبتَ الأَشياءِ — فَهذا النَّهجُ يُؤَدّي إِلى الاستِياءِ وَالانفِجارِ في النِّهايَةِ. بَل يَعني خَلقَ مَساحَةٍ قَصيرَةٍ بَينَ المُثيرِ وَالاستِجابَةِ حَيثُ يُمكِنُكَ اختِيارُ خُطوَتِكَ التّالِيَةِ بِحِكمَةٍ.

مِنَ التِّقنِيّاتِ الَّتي تَدعَمُ التَّنظيمَ الذّاتِيَّ: التَّنَفُّسُ العَميقُ وَتَمارينُ التَّأريضِ وَما أُسَمّيهِ "قاعِدَةَ التِّسعينَ ثانِيَةً": مُعظَمُ مَوجاتِ المَشاعِرِ الحادَّةِ تَستَمِرُّ نَحوَ تِسعينَ ثانِيَةً. إِن استَطَعتَ رُكوبَ تِلكَ المَوجَةِ دونَ رَدِّ فِعلٍ مُتَسَرِّعٍ، تَتَلاشى الحِدَّةُ طَبيعِيًّا وَيَعودُ الوُضوحُ.

3. الدّافِعِيَّة

الأَشخاصُ الأَذكِياءُ عاطِفِيًّا يُسَخِّرونَ مَشاعِرَهُم لِتَغذِيَةِ المُثابَرَةِ وَالهَدَفِ. يَستَطيعونَ تَأخيرَ الإِشباعِ وَالبَقاءَ مُتَفائِلينَ خِلالَ النَّكَساتِ وَالحِفاظَ عَلى الدّافِعِ الدّاخِلِيِّ حَتّى في غِيابِ المُكافَآتِ الخارِجِيَّةِ. هذا مُهِمٌّ بِشَكلٍ خاصٍّ في الحَياةِ الأُسَرِيَّةِ حَيثُ قَد لا تَظهَرُ ثِمارُ التَّربِيَةِ الصَّبورَةِ وَالمُتَّسِقَةِ لِسَنَواتٍ.

4. التَّعاطُف

التَّعاطُفُ هُوَ القُدرَةُ عَلى فَهمِ مَشاعِرِ الآخَرينَ وَمُشارَكَتِها — رُؤيَةُ العالَمِ مِن خِلالِ عُيونِهِم وَلَو مُؤَقَّتًا. لا يَتَعَلَّقُ الأَمرُ بِالاتِّفاقِ مَعَ شَخصٍ ما أَو حَلِّ مُشكِلَتِهِ. بَل يَتَعَلَّقُ بِالتَّواصُلِ مِن خِلالِ حُضورِكَ وَانتِباهِكَ بِأَنَّ تَجرِبَتَهُ مُهِمَّةٌ.

في ثَقافَتِنا غالِبًا ما يَعيشُ التَّعاطُفُ في الإيماءاتِ غَيرِ المَنطوقَةِ — أُمٌّ تَستَشعِرُ أَنَّ طِفلَها يُعاني قَبلَ أَن يُنطَقَ بِكَلِمَةٍ، زَوجٌ يُحضِرُ الشّايَ في اللَّحظَةِ المُناسِبَةِ تَمامًا. الذَّكاءُ العاطِفِيُّ يُساعِدُنا عَلى جَعلِ الضِّمنِيِّ صَريحًا مِمّا يُقَوّي الرَّوابِطَ الَّتي قَد تَتَآكَلُ تَحتَ ضُغوطِ الحَياةِ الحَديثَةِ.

5. المَهاراتُ الاجتِماعِيَّة

الرَّكيزَةُ الخامِسَةُ تُتَرجِمُ كُلَّ ما سَبَقَ إِلى فِعلٍ. تَشمَلُ المَهاراتُ الاجتِماعِيَّةُ القُدرَةَ عَلى إِدارَةِ العَلاقاتِ وَالتَّعامُلِ مَعَ النِّزاعاتِ وَبِناءِ الثِّقَةِ وَالتَّواصُلِ بِوُضوحٍ وَدِفءٍ. هُنا يُنتِجُ الذَّكاءُ العاطِفِيُّ نَتائِجَ مَلموسَةً — زيجاتٍ أَقوى وَديناميكِيّاتٍ أَصَحَّ بَينَ الوالِدَيْنِ وَالأَبناءِ وَعَلاقاتٍ مِهَنِيَّةٍ أَكثَرَ فاعِلِيَّةً.

كَيفَ تَبدَأُ التَّطبيقَ العَمَلِيّ

إِلَيكَ خُطُواتٍ يُمكِنُكَ البَدءُ بِها اليَومَ:

  1. 1سَمِّهِ لِتُرَوِّضَهُ: عِندَما تُلاحِظُ مَشاعِرَ قَوِيَّةً صِفها بِدِقَّةٍ. "أَشعُرُ بِالقَلَقِ بِشَأنِ دَرَجاتِ ابني" أَكثَرُ فائِدَةً مِن "أَنا مُتَوَتِّرٌ."
  2. 2استَمِعْ قَبلَ أَن تَنصَحَ: في حِوارِكَ القادِمِ مَعَ شَخصٍ عَزيزٍ قاوِمْ رَغبَتَكَ في تَقديمِ الحُلولِ. بِبَساطَةٍ أَعِدْ ما تَسمَعُهُ.
  3. 3أَصلِحْ بِسُرعَةٍ: عِندَما تَتَصَرَّفُ بِشَكلٍ سَيِّئٍ — وَسَيَحدُثُ ذلِكَ — عُدْ في أَقرَبِ وَقتٍ مُمكِنٍ. الإِصلاحُ الصّادِقُ يُقَوّي الثِّقَةَ أَكثَرَ مِن تَفاعُلٍ مِثالِيٍّ.
  4. 4راقِبْ مُحَفِّزاتِكَ: احتَفِظْ بِمُذَكِّرَةٍ مُوجَزَةٍ لِلَّحَظاتِ الَّتي ارتَفَعَتْ فيها مَشاعِرُكَ. سَتَظهَرُ أَنماطٌ تَكشِفُ احتِياجاتٍ وَجِراحًا أَعمَقَ.
  5. 5مارِسِ الفُضولَ بَدَلَ الحُكمِ: عِندَما يُحبِطُكَ سُلوكُ شَخصٍ ما اسأَلْ نَفسَكَ ماذا قَد يَشعُرُ تَحتَ السَّطحِ. الفُضولُ يَنزِعُ فَتيلَ النِّزاعِ.

لِماذا يُهِمُّ التَّوجيهُ المِهَنِيّ

الشَّيءُ الجَميلُ في الذَّكاءِ العاطِفِيِّ أَنَّهُ عَلى عَكسِ مُعامِلِ الذَّكاءِ يُمكِنُ تَحسينُهُ بِشَكلٍ كَبيرٍ في أَيِّ عُمرٍ مِن خِلالِ المُمارَسَةِ المُتَعَمَّدَةِ. لكِنَّ العَمَلَ بِمُفرَدِكَ لَهُ حُدودٌ. المُستَشارُ الماهِرُ يُمكِنُهُ مُساعَدَتُكَ في اكتِشافِ النِّقاطِ العَمياءِ وَكَشفِ الأَنماطِ المَوروثَةِ وَتَسريعِ النُّمُوِّ بِطُرُقٍ لا يُمكِنُ لِلقِراءَةِ أَوِ التَّأَمُّلِ الذّاتِيِّ وَحدَهُما تَحقيقُها. إِن كُنتَ مُستَعِدًّا لِتَعميقِ ذَكائِكَ العاطِفِيِّ فَإِنَّني أُشَجِّعُكَ عَلى اتِّخاذِ تِلكَ الخُطوَةِ — فَالأَثَرُ سَيَمَسُّ كُلَّ عَلاقَةٍ في حَياتِكَ.

د. هالة علي

مستشارة عائلية معتمدة

أعجبك المقال؟

اشترك واحصل على نصائح ومقالات حصرية في بريدك مباشرة

نحترمُ خصوصيّتَك. يمكنُكَ إلغاءُ الاشتراكِ في أيِّ وقت.