الوَبَاءُ الصَّامِتُ خَلْفَ الأَبْوَابِ المُغْلَقَةِ
الإِرْهَاقُ الوَالِدِيُّ لَيْسَ عَيْبًا فِي الشَّخْصِيَّةِ أَوْ مَرْحَلَةً أَوْ شَيْئًا يُمْكِنُكَ بِبَسَاطَةٍ تَجَاوُزُهُ. إِنَّهُ مُتَلَازِمَةٌ مُعْتَرَفٌ بِهَا سَرِيرِيًّا بِثَلَاثَةِ أَبْعَادٍ مُتَمَيِّزَةٍ: إِرْهَاقٌ سَاحِقٌ لَا يَكْفِي النَّوْمُ وَحْدَهُ لِعِلَاجِهِ، وَتَبَاعُدٌ عَاطِفِيٌّ عَنْ أَطْفَالِكَ حَيْثُ تُؤَدِّي الحَرَكَاتِ لَكِنَّكَ تَشْعُرُ بِالفَرَاغِ مِنَ الدَّاخِلِ، وَإِحْسَاسٌ مُتَآكِلٌ بِأَنَّكَ تَفْشَلُ فِي الوَظِيفَةِ الوَحِيدَةِ الَّتِي تَهُمُّ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهَا. إِذَا كَانَ أَيٌّ مِنْ هَذَا يَتَرَدَّدُ صَدَاهُ مَعَكَ، فَلَسْتَ وَحْدَكَ. تُشِيرُ الدِّرَاسَاتُ إِلَى أَنَّ مَا يَصِلُ إِلَى أَرْبَعَةَ عَشَرَ بِالمِئَةِ مِنَ الآبَاءِ يَسْتَوْفُونَ العَتَبَةَ السَّرِيرِيَّةَ لِلإِرْهَاقِ الوَالِدِيِّ فِي أَيِّ وَقْتٍ.
مَا يَجْعَلُ هَذَا الوَبَاءَ خَبِيثًا بِشَكْلٍ خَاصٍّ هُوَ الخَجَلُ الَّذِي يُحِيطُ بِهِ. فِي كَثِيرٍ مِنَ الثَّقَافَاتِ، خَاصَّةً فِي المُجْتَمَعَاتِ العَرَبِيَّةِ وَالشَّرْقِ أَوْسَطِيَّةِ، الأُمُومَةُ وَالأُبُوَّةُ دَعَوَاتٌ مُقَدَّسَةٌ. الاعْتِرَافُ بِأَنَّكَ تُعَانِي قَدْ يَبْدُو كَخِيَانَةٍ لِعَائِلَتِكَ وَثَقَافَتِكَ وَإِيمَانِكَ. لَكِنَّنِي أَحْتَاجُ أَنْ تَسْمَعَ هَذَا: الاعْتِرَافُ بِالإِرْهَاقِ لَيْسَ خِيَانَةً. إِنَّهُ أَشْجَعُ خُطْوَةٍ أُولَى نَحْوَ أَنْ تُصْبِحَ الوَالِدَ الَّذِي يَحْتَاجُهُ أَطْفَالُكَ.
فَهْمُ مَا يَسْتَنْزِفُكَ
الإِرْهَاقُ لَا يَصِلُ فَجْأَةً. إِنَّهُ يَتَرَاكَمُ عَبْرَ اخْتِلَالٍ مُزْمِنٍ بَيْنَ المُتَطَلَّبَاتِ وَالمَوَارِدِ. فَكِّرْ فِي طَاقَتِكَ الوَالِدِيَّةِ كَحِسَابٍ بَنْكِيٍّ. كُلُّ نَوْبَةِ غَضَبٍ تُدِيرُهَا وَكُلُّ جَلْسَةِ وَاجِبَاتٍ تُشْرِفُ عَلَيْهَا وَكُلُّ أَزْمَةٍ عَاطِفِيَّةٍ تُبَحِّرُ فِيهَا تُمَثِّلُ سَحْبًا. السُّؤَالُ هُوَ: مَاذَا تُودِعُ؟
المَشْهَدُ التَّرْبَوِيُّ الحَدِيثُ زَادَ بِشَكْلٍ دْرَامَاتِيكِيٍّ مِنَ السُّحُوبَاتِ بَيْنَمَا قَلَّصَ الإِيدَاعَاتِ. كَثِيرٌ مِنَ الآبَاءِ يُرَبُّونَ أَطْفَالَهُمْ بَعِيدًا عَنْ أَنْظِمَةِ دَعْمِ العَائِلَةِ المُمْتَدَّةِ. وَسَائِلُ التَّوَاصُلِ الاجْتِمَاعِيِّ خَلَقَتْ وَهْمًا بِأَنَّ الآبَاءَ الآخَرِينَ يَزْدَهِرُونَ بَيْنَمَا أَنْتَ بِالكَادِ تَنْجُو. العِبْءُ الذِّهْنِيُّ لِتَتَبُّعِ المَوَاعِيدِ وَالوَجَبَاتِ وَمُتَطَلَّبَاتِ المَدْرَسَةِ وَالجَدَاوِلِ الاجْتِمَاعِيَّةِ يَقَعُ بِشَكْلٍ غَيْرِ مُتَنَاسِبٍ عَلَى وَالِدٍ وَاحِدٍ، عَادَةً الأُمِّ.
إِطَارُ التَّعَافِي مِنْ خَمْسِ خُطُوَاتٍ
- 1سَمِّهِ بِلَا خَجَلٍ. قُلْهُ بِصَوْتٍ عَالٍ لِشَخْصٍ تَثِقُ بِهِ: "أَنَا مُرْهَقٌ." هَذَا الفِعْلُ البَسِيطُ لِلتَّسْمِيَةِ يَكْسِرُ العُزْلَةَ الَّتِي تُغَذِّي الإِرْهَاقَ. أَنْتَ لَا تَشْتَكِي. أَنْتَ صَادِقٌ بِشَأْنِ حَالَةٍ مَشْرُوعَةٍ.
- 2حَدِّدْ احْتِيَاجَاتِكَ غَيْرَ القَابِلَةِ لِلتَّفَاوُضِ. هَذَا لَا يَتَعَلَّقُ بِالرَّفَاهِيَةِ. مَا هِيَ المُتَطَلَّبَاتُ الأَسَاسِيَّةُ الَّتِي تُبْقِيكَ فَاعِلًا؟ لِمُعْظَمِ الآبَاءِ يَتَلَخَّصُ هَذَا فِي نَوْمٍ كَافٍ وَتَغْذِيَةٍ أَسَاسِيَّةٍ وَشَكْلٍ مِنَ الحَرَكَةِ البَدَنِيَّةِ وَخَمْسَ عَشْرَةَ دَقِيقَةً يَوْمِيًّا مِنَ العُزْلَةِ عَلَى الأَقَلِّ. هَذِهِ لَيْسَتْ تَرَفًا. إِنَّهَا قِنَاعُ الأُكْسِجِينِ الَّذِي يَجِبُ أَنْ تَضَعَهُ أَوَّلًا.
- 3أَجْرِ تَدْقِيقًا لِلطَّاقَةِ. لِمُدَّةِ أُسْبُوعٍ وَاحِدٍ، لَاحِظْ أَيُّ مَهَامِّ التَّرْبِيَةِ تَسْتَنْزِفُكَ أَكْثَرَ وَأَيُّهَا تُعِيدُ شَحْنَكَ فِعْلًا. قَدْ تَكْتَشِفُ أَنَّ الطَّبْخَ مَعَ أَطْفَالِكَ يُنَشِّطُكَ بَيْنَمَا مَعَارِكُ الوَاجِبَاتِ تَسْتَنْزِفُكَ. فَوِّضْ أَوْ أَعِدْ هَيْكَلَةَ المَهَامِّ المُسْتَنْزِفَةِ حَيْثُمَا أَمْكَنَ.
- 4اخْفِضْ مَعَايِيرَكَ بِشَكْلٍ اسْتِرَاتِيجِيٍّ. غُرْفَةُ لَعِبٍ فَوْضَوِيَّةٌ لَنْ تُنْدِبَ أَطْفَالَكَ. وَالِدٌ غَائِبٌ عَاطِفِيًّا قَدْ يَفْعَلُ. امْنَحْ نَفْسَكَ إِذْنًا بِتَقْدِيمِ وَجَبَاتٍ بَسِيطَةٍ وَتَجَاوُزِ حَفْلَةِ عِيدِ المِيلَادِ المُتَقَنَةِ وَتَرْكِ أَطْفَالِكَ يَشْعُرُونَ بِالمَلَلِ. التَّرْبِيَةُ الكَافِيَةُ هِيَ حَقًّا كَافِيَةٌ.
- 5ابْنِ الدَّعْمَ بِنِيَّةٍ. حَدِّدْ شَخْصَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً يُمْكِنُكَ الاتِّصَالُ بِهِمْ عِنْدَمَا تَصِلُ لِحَدِّكَ. قَدْ يَكُونُ هَذَا شَرِيكًا أَوْ صَدِيقًا أَوْ جَارًا أَوْ فَرْدًا مِنَ العَائِلَةِ. إِذَا كُنْتَ وَالِدًا مُهَاجِرًا بَعِيدًا عَنِ العَائِلَةِ المُمْتَدَّةِ، ابْحَثْ عَنْ مَجْمُوعَاتٍ مُجْتَمَعِيَّةٍ أَوْ مُنَظَّمَاتٍ ثَقَافِيَّةٍ أَوْ حَلَقَاتِ دَعْمِ آبَاءٍ حَيْثُ تُفْهَمُ تَجْرِبَتُكَ.
فِي مُجْتَمَعَاتِنَا، طَلَبُ المُسَاعَدَةِ يُخْلَطُ أَحْيَانًا بِالضَّعْفِ. أُذَكِّرُ عُمَلَائِي بِأَنَّ حَتَّى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَلَبَ المَشُورَةَ وَالدَّعْمَ. لَا شَرَفَ فِي المُعَانَاةِ وَحْدَكَ عِنْدَمَا تَحْتَاجُ عَائِلَتُكَ أَنْ تَكُونَ كَامِلًا.
عِنْدَمَا يُصْبِحُ الإِرْهَاقُ شَيْئًا أَكْبَرَ
إِذَا لَاحَظْتَ مَشَاعِرَ مُسْتَمِرَّةً مِنَ الانْفِصَالِ العَاطِفِيِّ عَنْ أَطْفَالِكَ أَوْ أَفْكَارًا مُقْتَحِمَةً عَنِ الهُرُوبِ مِنْ عَائِلَتِكَ أَوِ اسْتِيَاءً يُلَوِّنُ كُلَّ تَفَاعُلٍ، فَهَذِهِ عَلَامَاتٌ عَلَى أَنَّ الإِرْهَاقَ تَقَدَّمَ إِلَى مَا يَتَجَاوَزُ مَا يُمْكِنُ لاسْتِرَاتِيجِيَّاتِ المُسَاعَدَةِ الذَّاتِيَّةِ مُعَالَجَتَهُ. الدَّعْمُ المِهْنِيُّ فِي هَذِهِ المَرْحَلَةِ لَيْسَ اخْتِيَارِيًّا. إِنَّهُ ضَرُورِيٌّ. مُعَالِجٌ يَفْهَمُ ضُغُوطَ التَّرْبِيَةِ الحَدِيثَةِ يُمْكِنُهُ مُسَاعَدَتُكَ فِي إِعَادَةِ البِنَاءِ مِنَ الدَّاخِلِ، بِلَا حُكْمٍ وَبِلَا تَفْكِيكِ القِيَمِ الَّتِي تَهُمُّكَ.
أَصْبَحْتَ وَالِدًا لِأَنَّ لَدَيْكَ حُبًّا لِتَمْنَحَهُ. الإِرْهَاقُ لَمْ يَمْحُ ذَلِكَ الحُبَّ. لَقَدْ دَفَنَهُ تَحْتَ طَبَقَاتٍ مِنَ الإِنْهَاكِ. بِالدَّعْمِ الصَّحِيحِ، يُمْكِنُكَ اسْتِخْرَاجُهُ مِنْ جَدِيدٍ.
ماما هالة
مستشارة عائلية


