Skip to content
العائلات

وضع حدود صحية: الحب مع الحدود

د. هالة علي
2025-06-08
7 دقيقة قراءة

لِماذا تَبدُو الحُدُودُ صَعبَةً جِدّاً فِي العائِلات

فِي عَمَلِي مَعَ عائِلاتٍ مِن خَلفِيّاتٍ ثَقافِيَّةٍ مُتَنَوِّعَة، كَلِمَةُ "حُدُود" غالِباً ما تُثِيرُ رَدَّ فِعلٍ فَورِيّ: الشُّعُورَ بِالذَّنب. يَقُولُ لِي الآباء: "لكِنَّنِي لا أُرِيدُ أَن يَظُنَّ أَطفالِي أَنَّنِي لا أُحِبُّهُم." وَيَقُولُ أَفرادُ العائِلَةِ المُمتَدَّة: "فِي ثَقافَتِنا، الحُدُودُ عَدَمُ احتِرام." أَسمَعُ هذِهِ المَخاوِف، وَأُرِيدُ أَن أُعالِجَها مُباشَرَة: وَضعُ الحُدُودِ لَيسَ نَقِيضَ الحُبّ. إنَّهُ أَحَدُ أَنقَى تَعبِيراتِه.

عِندَما نُحِبُّ بِلا حُدُود، لا نَخلُقُ قُرباً. بَل نَخلُقُ استِياءً وَإرهاقاً وَحَيرَة. الأَطفالُ الَّذِينَ يَنشَأُونَ بِدُونِ حُدُودٍ واضِحَةٍ غالِباً ما يُعانُونَ مِنَ القَلَقِ لأنَّهُم لَم يَتَعَلَّمُوا أَبَداً أَينَ يَنتَهُونَ وَأَينَ يَبدَأُ الآخَرُون. وَالآباءُ الَّذِينَ لا يَضَعُونَ حُدُوداً أَبَداً يَحتَرِقُونَ وَيُصبِحُونَ النُّسخَةَ ذاتَها الَّتِي أَقسَمُوا أَنَّهُم لَن يَكُونُوها.

فَهمُ ما هِيَ الحُدُودُ فِعلاً

الحَدُّ هُوَ بِبَساطَةٍ بَيانٌ واضِحٌ عَمَّا تَحتاجُه، وَما سَتَقبَلُه، وَما لَن تَقبَلَه. لَيسَ عِقاباً أَو تَهدِيداً أَو سَحباً لِلمَحَبَّة. فَكِّرُوا فِي الحُدُودِ كَضِفافِ النَّهر. بِدُونِ ضِفاف، يَفِيضُ النَّهرُ وَيُدَمِّرُ كُلَّ شَيءٍ حَولَه. مَعَ الضِّفاف، يَتَدَفَّقُ الماءُ بِقُوَّةٍ وَهَدَف.

هُناكَ عِدَّةُ أَنواعٍ مِنَ الحُدُودِ تَحتاجُها العائِلات: - الحُدُودُ الجَسَدِيَّة: المَساحَةُ الشَّخصِيَّة وَالخُصُوصِيَّةُ وَتَفضِيلاتُ اللَّمسِ الجَسَدِيّ - الحُدُودُ العاطِفِيَّة: الحَقُّ فِي مَشاعِرِكَ الخاصَّةِ دُونَ أَن تَكُونَ مَسؤُولاً عَن إدارَةِ مَشاعِرِ الجَمِيع - حُدُودُ الوَقت: حِمايَةُ مَساحَةٍ لِلرَّاحَةِ وَالعَمَلِ وَالمَساعِي الفَردِيَّة - الحُدُودُ السُّلُوكِيَّة: تَوَقُّعاتٌ واضِحَةٌ حَولَ السُّلُوكِ المَقبُولِ وَغَيرِ المَقبُول

وَضعُ الحُدُودِ بِدِفء

سِرُّ وَضعِ الحُدُودِ الفَعَّالِ هُوَ تَقدِيمُ الحُدُودِ بِدِفءٍ وَوُضُوحٍ فِي آنٍ واحِد. هُنا يُعانِي كَثِيرٌ مِنَ الآباء. إمَّا يَضَعُونَ حُدُوداً بِقَسوَة مِمَّا يُضِرُّ بِالعَلاقَة، أَو يَتَواصَلُونَ بِلُطفٍ شَدِيدٍ حَتَّى يَضِيعَ الحَدُّ تَماماً.

إلَيكُم كَيفَ يَبدُو وَضعُ الحُدُودِ الدَّافِئُ الواضِح: "أُحِبُّ مُحادَثاتِنا، وَأَحتاجُ أَيضاً ثَلاثِينَ دَقِيقَةً مِنَ الهُدُوءِ عِندَما أَعُودُ مِنَ العَمَلِ لإعادَةِ شَحنِ طاقَتِي. بَعدَ ذلِك، أَنا كُلِّي لَكُم وَحاضِرٌ تَماماً." لاحِظُوا كَيفَ يَتَضَمَّنُ هذا البَيانُ التَّواصُل، وَالحَدَّ ذاتَه، وَوَعداً بِالمُشارَكَة. الطِّفلُ لا يَسمَعُ رَفضاً. بَل يَسمَعُ والِداً يَعتَنِي بِنَفسِهِ لِيَتَمَكَّنَ مِنَ الحُضُورِ الكامِل.

تَحَدِّي الاتِّساق

وَضعُ الحَدِّ هُوَ الجُزءُ السَّهل. الحِفاظُ عَلَيهِ هُوَ حَيثُ يَبدَأُ العَمَلُ الحَقِيقِيّ. فِي خِبرَتِي السَّرِيرِيَّة، عَدَمُ الاتِّساقِ هُوَ السَّبَبُ الأَوَّلُ لِفَشَلِ الحُدُودِ فِي العائِلات. عِندَما يَدفَعُ الطِّفلُ ضِدَّ حَدٍّ وَيَستَسلِمُ الوالِد، الطِّفلُ لا يَتَعَلَّمُ أَنَّ الحَدَّ مَرِن. بَل يَتَعَلَّمُ أَنَّ المُثابَرَةَ وَالضَّغطَ هُما الأَداتانِ لِلحُصُولِ عَلَى ما يُرِيد.

الاتِّساقُ لا يَعنِي الجُمُود. يَعنِي أَنَّ حُدُودَكَ الجَوهَرِيَّةَ تَبقَى ثابِتَةً حَتَّى عِندَما تَتَغَيَّرُ الظُّرُوف. يُمكِنُكَ أَن تَكُونَ مَرِناً بِشَأنِ وَقتِ النَّومِ فِي عُطلَةِ نِهايَةِ الأُسبُوعِ مَعَ البَقاءِ حازِماً بِشَأنِ التَّواصُلِ المُحتَرَم. المِفتاحُ هُوَ مَعرِفَةُ أَيُّ الحُدُودِ قابِلَةٌ لِلتَّفاوُضِ وَأَيُّها غَيرُ قابِلَةٍ لِلتَّفاوُض، وَإيصالُ ذلِكَ بِوُضُوح.

الحُدُودُ فِي العائِلاتِ العَرَبِيَّةِ وَالشَّرقِ أَوسَطِيَّة

أُرِيدُ أَن أَتَحَدَّثَ مُباشَرَةً عَن شَيءٍ أُواجِهُهُ كَثِيراً فِي عِيادَتِي. فِي كَثِيرٍ مِنَ العائِلاتِ العَرَبِيَّةِ وَالشَّرقِ أَوسَطِيَّة، قَد يَبدُو مَفهُومُ الحُدُودِ غَرِيباً أَو حَتَّى مُهَدِّداً. التَّركِيزُ عَلَى القُربِ العائِلِيِّ وَاحتِرامِ الكِبارِ وَالهُوِيَّةِ الجَماعِيَّةِ جَمِيلٌ وَقَيِّم. الحُدُودُ لا تَتَطَلَّبُ مِنكُم التَّخَلِّيَ عَن هذِهِ القِيَم.

ما تَتَطَلَّبُهُ الحُدُودُ هُوَ الصِّدقُ حَولَ الفَرقِ بَينَ القُربِ وَالتَّشابُك، بَينَ الاحتِرامِ وَمَحوِ الذَّات، بَينَ الوَلاءِ العائِلِيِّ وَفُقدانِ الهُوِيَّةِ الفَردِيَّة. يُمكِنُكُم تَكرِيمُ والِدِيكُم مَعَ حِمايَةِ زَواجِكُم أَيضاً. يُمكِنُكُم حُبُّ عائِلَتِكُمُ المُمتَدَّةِ مَعَ وَضعِ قَواعِدِ بَيتِكُمُ الخاصَّة. هذِهِ لَيسَت تَناقُضات؛ إنَّها عَلاماتُ نِظامٍ عائِلِيٍّ ناضِجٍ وَصِحِّيّ.

تَعلِيمُ الأَطفالِ وَضعَ حُدُودِهِمُ الخاصَّة

مِن أَهَمِّ الهَدايا الَّتِي يُمكِنُكُم تَقدِيمُها لأَطفالِكُم هِيَ القُدرَةُ عَلَى وَضعِ حُدُودِهِمُ الخاصَّة. عِندَما يَقُولُ طِفلٌ "لا أُرِيدُ حُضناً الآن" وَتَحتَرِمُونَ ذلِك، تُعَلِّمُونَهُ أَنَّ جَسَدَهُ مِلكُه. عِندَما يَقُولُ مُراهِقٌ "أَحتاجُ بَعضَ الوَقتِ وَحدِي" وَتَحتَرِمُونَ ذلِكَ دُونَ أَن تَأخُذُوهُ عَلَى مَحمَلٍ شَخصِيّ، تُعَلِّمُونَهُ أَنَّ احتِياجاتِهِ العاطِفِيَّةَ مُهِمَّة.

الأَطفالُ الَّذِينَ يَتَعَلَّمُونَ وَضعَ الحُدُودِ يُصبِحُونَ بالِغِينَ يُمكِنُهُم الحِفاظُ عَلَى عَلاقاتٍ صِحِّيَّة، وَقَولُ "لا" بِدُونِ شُعُورٍ بِالذَّنب، وَحِمايَةُ رَفاهِيَّتِهِم. هذِهِ المَهاراتُ لَيسَت رَفاهِيَّة. فِي عالَمٍ يَتَطَلَّبُ مِنَّا المَزِيدَ باستِمرار، هِيَ ضَرُورِيَّة.

عِندَما تُنتَهَكُ الحُدُودُ باستِمرار

إذا وَجَدتُم أَنَّ أَفراداً مُعَيَّنِينَ فِي العائِلَةِ يَتَجاهَلُونَ أَو يَتَجاوَزُونَ حُدُودَكُم باستِمرار، فَهذا نَمَطٌ يَستَحِقُّ الفَحصَ بِدَعمٍ مِهنِيّ. انتِهاكاتُ الحُدُودِ المُزمِنَةُ غالِباً ما تَعكِسُ دِيناميكِيَّاتٍ أَعمَق: الاعتِمادِيَّةَ المُشتَرَكَة، أَو صَدماتٍ غَيرَ مُعالَجَة، أَو اختِلالاتٍ فِي القُوَّةِ تَمَّ تَطبِيعُها عَبرَ الأَجيال.

يُمكِنُ لِمُستَشارٍ عائِلِيٍّ مُساعَدَتُكُم فِي تَحدِيدِ هذِهِ الأَنماط، وَمُمارَسَةِ وَضعِ الحُدُودِ فِي بِيئَةٍ آمِنَة، وَتَطوِيرِ استِراتِيجِيَّاتٍ لِلحِفاظِ عَلَى حُدُودِكُم حَتَّى عِندَما يُقاوِمُ الآخَرُون. طَلَبُ هذا الدَّعمِ لَيسَ عَلامَةً عَلَى أَنَّ عائِلَتَكُم مَكسُورَة. إنَّهُ عَلامَةٌ عَلَى أَنَّكُم مُلتَزِمُونَ بِبِناءِ شَيءٍ أَكثَرَ صِحَّة.

الحُدُودُ لَيسَت حَواجِزَ أَمامَ الحُبّ. إنَّها البِنيَةُ ذاتُها الَّتِي تَسمَحُ لِلحُبِّ بِأَن يُعطَى بِحُرِّيَّة، وَيُستَقبَلَ بِامتِنان، وَيَستَمِرَّ مَدَى الحَياة.

د. هالة علي

مستشارة عائلية معتمدة

أعجبك المقال؟

اشترك واحصل على نصائح ومقالات حصرية في بريدك مباشرة

نحترمُ خصوصيّتَك. يمكنُكَ إلغاءُ الاشتراكِ في أيِّ وقت.