Skip to content
العائلات

التعامل مع الهوية الثقافية في الأسر المهاجرة

د. هالة علي
2025-05-08
7 دقيقة قراءة

العَيْشُ بَيْنَ عَالَمَيْنِ

كَشَخْصٍ سَارَ فِي طَرِيقِ الهِجْرَةِ بِنَفْسِهِ، أَحْمِلُ هَذَا الحِوَارَ لَيْسَ فَقَطْ كَطَبِيبَةٍ بَلْ كَامْرَأَةٍ شَعَرَتْ بِوَجَعِ الوُقُوفِ بَيْنَ عَالَمَيْنِ دُونَ الانْتِمَاءِ الكَامِلِ لِأَيٍّ مِنْهُمَا. العَائِلَاتُ الَّتِي أَعْمَلُ مَعَهَا تَعْرِفُ هَذَا الوَجَعَ بِعُمْقٍ. يَظْهَرُ فِي المَطْبَخِ عِنْدَمَا يَدْفَعُ طِفْلُكَ الطَّعَامَ الَّذِي نَشَأْتَ تَأْكُلُهُ. يَظْهَرُ عِنْدَ اصْطِحَابِ الأَطْفَالِ مِنَ المَدْرَسَةِ عِنْدَمَا تَجْعَلُكَ لَهْجَتُكَ تَشْعُرُ بِأَنَّكَ غَيْرُ مَرْئِيٍّ. يَظْهَرُ عَلَى مَائِدَةِ العَشَاءِ عِنْدَمَا يَلُفُّ ابْنُكَ المُرَاهِقُ عَيْنَيْهِ عَلَى تَقْلِيدٍ كَانَ يَوْمًا يَمْنَحُ طُفُولَتَكَ مَعْنًى.

الهِجْرَةُ غَالِبًا مَا تُنَاقَشُ بِمُصْطَلَحَاتٍ اقْتِصَادِيَّةٍ أَوْ سِيَاسِيَّةٍ، لَكِنَّ أَعْمَقَ تَأْثِيرٍ لَهَا نَفْسِيٌّ. عِنْدَمَا تَنْتَقِلُ عَائِلَةٌ مِنْ تُرْبَةٍ ثَقَافِيَّةٍ إِلَى أُخْرَى، يَخُوضُ كُلُّ فَرْدٍ تَفَاوُضًا صَامِتًا عَلَى الهُوِيَّةِ يُمْكِنُ أَنْ يَسْتَمِرَّ لِسَنَوَاتٍ وَأَحْيَانًا لِأَجْيَالٍ. فَهْمُ هَذِهِ العَمَلِيَّةِ بَدَلًا مِنْ مُحَارَبَتِهَا هُوَ مِفْتَاحُ تَرْبِيَةِ أَطْفَالٍ يَشْعُرُونَ بِالجُذُورِ بَدَلًا مِنَ الاقْتِلَاعِ.

فَجْوَةُ التَّثَاقُفِ: حَيْثُ يُولَدُ الصِّرَاعُ الأُسَرِيُّ

حَدَّدَتِ الأَبْحَاثُ التَّطَوُّرِيَّةُ مَا يُسَمَّى "فَجْوَةَ التَّثَاقُفِ" كَأَحَدِ المَصَادِرِ الأَسَاسِيَّةِ لِلصِّرَاعِ فِي الأُسَرِ المُهَاجِرَةِ. الأَطْفَالُ المُنْغَمِسُونَ فِي الثَّقَافَةِ الجَدِيدَةِ عَبْرَ المَدْرَسَةِ وَالأَقْرَانِ يَتَثَاقَفُونَ أَسْرَعَ بِكَثِيرٍ مِنْ وَالِدِيهِمْ. خِلَالَ سَنَوَاتٍ قَلِيلَةٍ، قَدْ يُفَكِّرُ الطِّفْلُ وَيَحْلُمُ وَيَمْزَحُ بِاللُّغَةِ الجَدِيدَةِ بَيْنَمَا يَبْقَى الوَالِدَانِ رَاسِخَيْنِ فِي ثَقَافَةِ التُّرَاثِ.

هَذِهِ الفَجْوَةُ لَيْسَتْ عَنِ اللُّغَةِ فَحَسْبُ. إِنَّهَا عَنِ القِيَمِ وَالأَعْرَافِ الاجْتِمَاعِيَّةِ وَالتَّوَقُّعَاتِ حَوْلَ الاسْتِقْلَالِيَّةِ وَالمَوَاقِفِ تِجَاهَ السُّلْطَةِ وَتَعْرِيفَاتِ النَّجَاحِ. وَالِدٌ يُقَدِّرُ شَرَفَ العَائِلَةِ الجَمَاعِيَّ قَدْ يَتَصَادَمُ مَعَ مُرَاهِقٍ يُقَدِّرُ التَّعْبِيرَ الفَرْدِيَّ عَنِ الذَّاتِ. أُمٌّ تَتَوَقَّعُ الاحْتِشَامَ قَدْ تُعَانِي مَعَ ابْنَةٍ تُرِيدُ أَنْ تَلْبَسَ مِثْلَ زَمِيلَاتِهَا. هَذِهِ لَيْسَتْ صِرَاعَاتٍ سَطْحِيَّةً. إِنَّهَا تَصَادُمَاتُ هُوِيَّةٍ.

فَجْوَةُ التَّثَاقُفِ أَوْسَعُ وَأَكْثَرُ إِيلَامًا عِنْدَمَا لَا تُنَاقِشُهَا الأُسَرُ عَلَنًا. فِي كَثِيرٍ مِنَ الأُسَرِ العَرَبِيَّةِ وَالشَّرْقِ أَوْسَطِيَّةِ، التَّوَقُّعُ هُوَ أَنَّ الأَطْفَالَ سَيَمْتَصُّونَ ثَقَافَةَ التُّرَاثِ بِبَسَاطَةٍ عَبْرَ القُرْبِ. لَكِنَّ الثَّقَافَةَ لَا تُنْقَلُ بِالتَّنَاضُحِ. إِنَّهَا تُنْقَلُ عَبْرَ الحِوَارِ وَعَبْرَ القِصَّةِ وَعَبْرَ اسْتِعْدَادِ الوَالِدِ لِشَرْحِ السَّبَبِ وَرَاءَ التَّقْلِيدِ.

إِعَادَةُ تَأْطِيرِ الثُّنَائِيَّةِ الثَّقَافِيَّةِ كَقُوَّةٍ خَارِقَةٍ

إِلَيْكَ مَا تُخْبِرُنَا بِهِ الأَبْحَاثُ وَمَا شَهِدْتُهُ سَرِيرِيًّا: الأَطْفَالُ الَّذِينَ يَنْشَأُونَ ثُنَائِيِّي الثَّقَافَةِ حَقًّا، لَيْسُوا عَالِقِينَ بَيْنَ ثَقَافَتَيْنِ بَلْ مُتَجَذِّرِينَ فِي كِلْتَيْهِمَا، يُظْهِرُونَ مَزَايَا مَلْحُوظَةً. الأَطْفَالُ ثُنَائِيُّو اللُّغَةِ يُظْهِرُونَ وَظَائِفَ تَنْفِيذِيَّةً مُحَسَّنَةً وَمُرُونَةً مَعْرِفِيَّةً أَكْبَرَ وَقُدْرَاتِ أَخْذِ مَنْظُورٍ أَقْوَى. الأَفْرَادُ ثُنَائِيُّو الثَّقَافَةِ يُبَلِّغُونَ عَنْ إِبْدَاعٍ أَعْلَى وَمَهَارَاتِ تَوَاصُلٍ عَبْرَ ثَقَافِيٍّ أَفْضَلَ وَفَهْمٍ أَكْثَرَ دِقَّةً لِلتَّجْرِبَةِ الإِنْسَانِيَّةِ.

الهَدَفُ لَيْسَ الاخْتِيَارَ بَيْنَ الثَّقَافَتَيْنِ. إِنَّهُ دَمْجُهُمَا. طِفْلُكَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عَرَبِيًّا بِالكَامِلِ وَأَمْرِيكِيًّا بِالكَامِلِ، سُودَانِيًّا بِالكَامِلِ وَكَنَدِيًّا بِالكَامِلِ، مِصْرِيًّا بِالكَامِلِ وَبِرِيطَانِيًّا بِالكَامِلِ. هَذِهِ لَيْسَتْ تَنَاقُضَاتٍ. إِنَّهَا مُكَوِّنَاتُ هُوِيَّةٍ جَمِيلَةٍ مُعَقَّدَةٍ.

أَرْبَعُ مُمَارَسَاتٍ لِرِعَايَةِ الهُوِيَّةِ ثُنَائِيَّةِ الثَّقَافَةِ

  1. 1اجْعَلْ ثَقَافَةَ التُّرَاثِ تَجْرِبَةً حَيَّةً لَا مُحَاضَرَةً. اطْبُخُوا مَعًا. شَغِّلُوا المُوسِيقَى. ارْوِ قِصَصَ طُفُولَتِكَ بِتَفْصِيلٍ وَعَاطِفَةٍ. دَعْ أَطْفَالَكَ يَشُمُّونَ التَّوَابِلَ وَيَسْمَعُونَ الإِيقَاعَاتِ وَيَشْعُرُونَ بِدِفْءِ الثَّقَافَةِ بَدَلًا مِنْ مُجَرَّدِ سَمَاعِ قَوَاعِدَ عَمَّا تَتَطَلَّبُهُ.
  2. 2أَظْهِرْ فُضُولًا حَقِيقِيًّا تِجَاهَ عَالَمِ أَطْفَالِكَ الثَّقَافِيِّ الجَدِيدِ. اسْأَلْ عَنْ صَدَاقَاتِهِمْ وَمُوسِيقَاهُمْ وَرُوحِهِمُ الفُكَاهِيَّةِ. احْضُرْ فَعَالِيَّاتِ مَدْرَسَتِهِمْ بِحَمَاسٍ بَدَلًا مِنَ الالْتِزَامِ. عِنْدَمَا تُصَادِقُ عَلَى تَجَارِبِهِمُ الثَّقَافِيَّةِ الجَدِيدَةِ تَكْسِبُ الحَقَّ فِي مُشَارَكَةِ تَجَارِبِ تُرَاثِكَ.
  3. 3أَنْشِئْ بَيْتًا تُقَدَّرُ فِيهِ كِلْتَا اللُّغَتَيْنِ. خَصِّصْ أَوْقَاتًا لِلُّغَةِ التُّرَاثِيَّةِ رُبَّمَا أَثْنَاءَ الوَجَبَاتِ أَوْ صَبَاحَاتِ عُطْلَةِ نِهَايَةِ الأُسْبُوعِ. احْتَفِلْ بِقُدْرَةِ طِفْلِكَ فِي كِلْتَا اللُّغَتَيْنِ بَدَلًا مِنْ مُعَاقَبَةِ فُقْدَانِ إِحْدَاهُمَا. ثُنَائِيَّةُ اللُّغَةِ هَدِيَّةٌ تَحْتَاجُ رِعَايَةً لَا مُرَاقَبَةً.
  4. 4سَمِّ التَّوَتُّرَ بَدَلًا مِنْ إِنْكَارِهِ. عِنْدَمَا يَشْعُرُ طِفْلُكَ بِالانْجِذَابِ بَيْنَ عَالَمَيْنِ، اعْتَرِفْ بِذَلِكَ صَرَاحَةً. "أَعْرِفُ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مُحَيِّرًا أَنْ تَعِيشَ بَيْنَ ثَقَافَتَيْنِ. أَشْعُرُ بِذَلِكَ أَيْضًا. نَحْنُ نَكْتَشِفُ هَذَا مَعًا." هَذَا الصِّدْقُ البَسِيطُ يُحَوِّلُ العُزْلَةَ إِلَى تَضَامُنٍ.

عِنْدَمَا تُصْبِحُ التَّوَتُّرَاتُ الثَّقَافِيَّةُ شُرُوخًا أُسَرِيَّةً

فِي بَعْضِ العَائِلَاتِ، تَتَّسِعُ فَجْوَةُ التَّثَاقُفِ إِلَى هُوَّةٍ. قَدْ يَرْفُضُ الطِّفْلُ ثَقَافَةَ التُّرَاثِ كُلِّيًّا مُعْتَبِرًا إِيَّاهَا مَصْدَرَ خَجَلٍ. قَدْ يُصْبِحُ الوَالِدُ أَكْثَرَ تَشَدُّدًا مُشَدِّدًا القُيُودَ الثَّقَافِيَّةَ اسْتِجَابَةً لِمَا يُدْرِكُهُ كَتَآكُلٍ ثَقَافِيٍّ. تَتَقَاطَبُ العَائِلَةُ وَيَنْهَارُ التَّوَاصُلُ.

عِنْدَمَا يَحْدُثُ هَذَا، يُمْكِنُ لِمُسْتَشَارٍ أُسَرِيٍّ حَسَّاسٍ ثَقَافِيًّا أَنْ يَكُونَ جِسْرًا. لَيْسَ شَخْصًا سَيُخْبِرُكَ بِالتَّخَلِّي عَنْ قِيَمِكَ، وَلَيْسَ شَخْصًا سَيُخْبِرُ طِفْلَكَ بِالطَّاعَةِ بِبَسَاطَةٍ. بَلْ شَخْصًا يَفْهَمُ عُمْقَ الهُوِيَّةِ الثَّقَافِيَّةِ وَيَحْتَرِمُ التُّرَاثَ بَيْنَمَا يَعْتَرِفُ بِوَاقِعِ السِّيَاقِ الجَدِيدِ وَيُمْكِنُهُ مُسَاعَدَةُ عَائِلَتِكَ عَلَى إِيجَادِ تَوْلِيفَتِهَا الفَرِيدَةِ.

الأُسَرُ المُهَاجِرَةُ الَّتِي شَاهَدْتُهَا تَزْدَهِرُ لَيْسَتْ تِلْكَ الَّتِي حَافَظَتْ عَلَى ثَقَافَتِهَا التُّرَاثِيَّةِ بِشَكْلٍ مِثَالِيٍّ وَلَا تِلْكَ الَّتِي انْدَمَجَتْ كُلِّيًّا. إِنَّهَا العَائِلَاتُ الَّتِي صَنَعَتْ شَيْئًا جَدِيدًا: هُوِيَّةً ثَقَافِيَّةً حَيَّةً تَتَنَفَّسُ تُكَرِّمُ مِنْ أَيْنَ أَتَوْا بَيْنَمَا تَحْتَضِنُ أَيْنَ هُمُ الآنَ. ذَلِكَ الإِبْدَاعُ لَيْسَ خَسَارَةً. إِنَّهُ إِرْثٌ.

د. هالة علي

مستشارة عائلية معتمدة

أعجبك المقال؟

اشترك واحصل على نصائح ومقالات حصرية في بريدك مباشرة

نحترمُ خصوصيّتَك. يمكنُكَ إلغاءُ الاشتراكِ في أيِّ وقت.