فَهْمُ قَلَقِ الطُّفُولَة
بِصِفَتِي مُستَشارَةً أُسَرِيَّة، أَحَدُ أَكثَرِ المَخاوِفِ الَّتِي أَسمَعُها مِنَ الوالِدَيْنِ هُوَ: "طِفلِي يَقلَقُ بِشَأنِ كُلِّ شَيء، وَلا أَعرِفُ كَيفَ أُساعِدُه." إذا كانَ هذا مَأْلُوفاً لَكُم، فَأَنتُم لَستُم وَحدَكُم. القَلَقُ هُوَ أَكثَرُ تَحَدِّياتِ الصِّحَّةِ النَّفسِيَّةِ شُيُوعاً بَيْنَ الأَطفال، إذ يُؤَثِّرُ عَلَى حَوالَي طِفلٍ مِن كُلِّ ثَمانِيَةِ أَطفالٍ حَولَ العالَم. وَمَعَ ذلِكَ يَبقَى مِن أَكثَرِ المَسائِلِ الَّتِي لا يُتَعَرَّفُ عَلَيها لأنَّ قَلَقَ الطُّفُولَةِ لا يَبدُو كَمَا يَتَوَقَّعُهُ مُعظَمُ البالِغِين.
الأَطفالُ نادِراً ما يَقُولُون "أَشعُرُ بِالقَلَق." بَل يُظهِرُونَ لَنا ذلِكَ مِن خِلالِ سُلُوكِهِم. الطِّفلُ الَّذِي يَتَشَبَّثُ بِساقِكَ عِندَ تَوصِيلِهِ، أَو يَشتَكِي مِن آلامِ المَعِدَةِ كُلَّ لَيلَةِ أَحَدٍ قَبلَ المَدرَسَة، أَو يَنهارُ بِسَبَبِ تَغيِيراتٍ تَبدُو بَسِيطَةً فِي الرُّوتِين، قَد يَكُونُ يُعَبِّرُ عَنِ القَلَقِ بِالطَّرِيقَةِ الوَحِيدَةِ الَّتِي يَعرِفُها.
كَيفَ يَظهَرُ القَلَقُ فِي الأَعمارِ المُختَلِفَة
عِندَ الأَطفالِ الصِّغارِ وَمَرحَلَةِ ما قَبلَ المَدرَسَة، يَظهَرُ القَلَقُ غالِباً كَتَعَلُّقٍ مُفرِط، أَو خَوفٍ شَدِيدٍ مِنَ الانفِصال، أَو رَفضِ النَّومِ وَحدَهُم، أَو ضِيقٍ شَدِيدٍ حَولَ الغُرَباء. هذِهِ السُّلُوكِيَّاتُ قَد تَتَداخَلُ مَعَ المَراحِلِ التَّطَوُّرِيَّةِ الطَّبِيعِيَّة، وَلِهذا يَتَجاهَلُها الآباءُ أَحياناً.
فِي سِنِّ المَدرَسَة، قَد يَبدُو القَلَقُ كَمِثالِيَّةٍ مُفرِطَة، أَو طَلَباتٍ مُتَكَرِّرَةٍ لِلطَّمأنَة، أَو تَجَنُّبِ الأَنشِطَةِ الجَدِيدَة، أَو صُعُوبَةٍ فِي اتِّخاذِ القَرارات، أَو شَكاوَى جَسَدِيَّةٍ مُتَكَرِّرَةٍ كَالصُّداعِ وَالغَثَيانِ دُونَ تَفسِيرٍ طِبِّي.
عِندَ المُراهِقِين، قَد يَكُونُ القَلَقُ صَعبَ التَّحدِيدِ بِشَكلٍ خاص. قَد يَختَبِئُ خَلفَ الانفِعالِيَّة، أَوِ الانسِحابِ الاجتِماعِيّ، أَوِ التَّسوِيفِ الأَكادِيمِيّ، أَو حَتَّى السُّلُوكِ المُتَمَرِّد. كَثِيرٌ مِنَ المُراهِقِينَ القَلِقِينَ يَبدُونَ غاضِبِينَ بَدَلاً مِن خائِفِين، مِمَّا قَد يَقُودُ العائِلاتِ فِي الاتِّجاهِ الخاطِئِ تَماماً.
مَتَى يَكُونُ القَلَقُ "طَبِيعِيّاً" وَمَتَى يَجِبُ أَن تَقلَق؟
كُلُّ طِفلٍ يَمُرُّ بِبَعضِ القَلَق، وَهذا صِحِّيّ. الخَوفُ مِنَ الظَّلامِ فِي سِنِّ الثَّالِثَة، وَالتَّوَتُّرُ قَبلَ الامتِحان، وَالقَلَقُ بِشَأنِ الاندِماجِ فِي مَدرَسَةٍ جَدِيدَة كُلُّها استِجاباتٌ مُناسِبَةٌ تَطَوُّرِيّاً. السُّؤالُ لَيسَ ما إذا كانَ طِفلُكَ يَشعُرُ بِالقَلَق، بَل ما إذا كانَ القَلَقُ يُقَلِّصُ عالَمَه.
إذا كانَ طِفلُكَ يَتَجَنَّبُ باستِمرارٍ أَنشِطَةً كانَ يَستَمتِعُ بِها، أَو كانَ قَلَقُهُ غَيرَ مُتَناسِبٍ مَعَ المَوقِف، أَو كانَتِ الأَعراضُ الجَسَدِيَّةُ مُتَكَرِّرَة، أَو كانَ القَلَقُ يَتَدَخَّلُ فِي المَدرَسَةِ أَوِ الصَّداقاتِ أَوِ الحَياةِ الأُسَرِيَّة، فَقَد حانَ الوَقتُ لِلانتِباهِ أَكثَر.
فَخُّ الطَّمأنَة
إلَيكُم أَمراً لا يُدرِكُهُ مُعظَمُ الآباء: الطَّمأنَةُ المُفرِطَةُ قَد تُعَزِّزُ القَلَقَ بَدَلاً مِن تَهدِئَتِه. عِندَما نُكَرِّرُ لِلطِّفلِ "كُلُّ شَيءٍ سَيَكُونُ عَلَى ما يُرام" أَو "لا يُوجَدُ ما يَدعُو لِلقَلَق"، نُرسِلُ رِسالَةً غَيرَ مَقصُودَةٍ بِأَنَّ مَشاعِرَهُم خاطِئَةٌ وَأَنَّهُم يَحتاجُونَنا لِيَشعُرُوا بِالأَمان.
بَدَلاً مِن ذلِك، حاوِلُوا التَّصدِيقَ عَلَى تَجرِبَتِهِم مَعَ بِناءِ ثِقَتِهِم فِي التَّأَقلُم. يُمكِنُكُم القَول: "أَرَى أَنَّ هذا يَبدُو مُخِيفاً جِدّاً لَك. هذا مَنطِقِيّ. ما الَّذِي ساعَدَكَ عَلَى الشُّعُورِ بِالشَّجاعَةِ مِن قَبل؟" هذا النَّهجُ يَحتَرِمُ عاطِفَتَهُم دُونَ تَغذِيَةِ دَورَةِ القَلَق. إنَّهُ يُعَلِّمُهُم أَنَّ لَدَيهِمُ الأَدَواتِ لِمُواجَهَةِ المَشاعِرِ الصَّعبَة.
ما الَّذِي يُساعِدُ فِعلاً: المُقارَباتُ المَبنِيَّةُ عَلَى الأَدِلَّة
العِلاجُ السُّلُوكِيُّ المَعرِفِيّ هُوَ العِلاجُ المِعيارِيُّ الذَّهَبِيُّ لِقَلَقِ الطُّفُولَة، مَدعُوماً بِعُقُودٍ مِنَ الأَبحاث. يُعَلِّمُ الأَطفالَ تَحدِيدَ الأَفكارِ القَلِقَة، وَفَحصَ الأَدِلَّةِ المُؤَيِّدَةِ وَالمُعارِضَةِ لِتِلكَ الأَفكار، وَتَطوِيرَ استِراتِيجِيّاتِ تَأَقلُمٍ عَمَلِيَّةٍ يُمكِنُهُم استِخدامُها بِشَكلٍ مُستَقِلّ.
فِي المَنزِل، يُمكِنُ لِلوالِدَيْنِ دَعمُ هذِهِ العَمَلِيَّةِ مِن خِلال: - نَمذَجَةِ الاستِجاباتِ الهادِئَةِ لِلمَواقِفِ المُجهِدَة - تَجَنُّبِ إغراءِ إزالَةِ جَمِيعِ مَصادِرِ الانزِعاج - تَشجِيعِ التَّعَرُّضِ التَّدرِيجِيِّ لِلمَواقِفِ المَخُوفَةِ بَدَلاً مِنَ التَّجَنُّب - مَدحِ الجُهدِ وَالشَّجاعَةِ بَدَلاً مِن غِيابِ الخَوف - الحِفاظِ عَلَى رُوتِينٍ مُنتَظَمٍ يَخلُقُ إحساساً بِالأَمان
رِسالَةٌ مِن عِيادَتِي
فِي سَنَواتِ عَمَلِي مَعَ الأَطفالِ القَلِقِينَ وَعائِلاتِهِم، شَهِدتُ تَحَوُّلاتٍ رائِعَة. أَطفالٌ كانُوا يَرفُضُونَ دُخُولَ الفَصلِ الدِّراسِيِّ يَرفَعُونَ أَيدِيَهُم الآنَ بِثِقَة. مُراهِقُونَ كانُوا يَتَجَنَّبُونَ التَّجَمُّعاتِ الاجتِماعِيَّةَ يَتَنَقَّلُونَ الآنَ فِي الصَّداقاتِ بِسُهُولَةٍ حَقِيقِيَّة. المِفتاحُ لَم يَكُن أَبَداً القَضاءَ عَلَى القَلَقِ تَماماً؛ بَل تَزوِيدَ هؤُلاءِ الشَّبابِ بِالفَهمِ وَالمَهاراتِ لِلمُرُورِ مِن خِلالِه.
إذا كانَ طِفلُكُم يُعانِي، فَاعلَمُوا أَنَّ طَلَبَ التَّوجِيهِ المِهنِيِّ لَيسَ رَدَّ فِعلٍ مُبالَغاً فِيه. إنَّهُ أَحَدُ أَكثَرِ القَراراتِ المَحَبَّةِ الَّتِي يُمكِنُكُم اتِّخاذُها. التَّدَخُّلُ المُبَكِّرُ لِقَلَقِ الطُّفُولَةِ لا يُعالِجُ الصِّراعَ الحالِيَّ فَحَسب؛ بَل يَبنِي أَساساً مِنَ المُرُونَةِ وَالذَّكاءِ العاطِفِيِّ الَّذِي سَيَخدُمُ طِفلَكُم مَدَى الحَياة.
القَلَقُ عِندَ الأَطفالِ لَيسَ عَلامَةَ ضَعفٍ أَو تَربِيَةٍ سَيِّئَة. إنَّهُ إشارَةٌ إلى أَنَّ الجِهازَ العَصَبِيَّ لِطِفلِكُم يَحتاجُ إلى الدَّعم، وَمَعَ المُساعَدَةِ الصَّحِيحَة، يُمكِنُهُم أَن يَزدَهِرُوا.
د. هالة علي
مستشارة عائلية معتمدة


